Sunday, March 05, 2006

لصوص نافورة الأمنيات



جلستُ وحيداً على الرّخام البارد أراقب رقصة الماء باندهاش... كانت تمد أذرعها كآلهة الخصب البهيّة و دورة السائل اللازوردي فيها تذكرني بفورة الدم في العروق المتعبة... أخذ المساء يقترب و انعكس وداع الشمس على قاع النافورة فَلَمعتْ عشرات القطع النقدية في أسفل الحوض كأنما تُذَكِّر النهارَ المغادرَ بقصص أناس أتوا و رحلوا... قطع نقدية من فئات مختلفة و من مختلف العملات، كلّها توحّدت تحت ثوب الماء الرقراق...
اقترَبتْ من المكان بنتٌ صغيرة في نحو الخامسة و وقفت في وَجَلٍ تراقب صفحة الماء... أمعنتُ النظر فإذا هي تتمتم شيئاً كأنما تتلو صلاة دافئة... و في لحظة انفعال عفوي ألقت في الماء قطعة من نقد فضي و انتظرت قليلاً كأنما تريد أن تتأكد من غرق قربانها ثم أسرعت بالرحيل
...
على الطرف الآخر من الحوض الأبيض وقف كهل جميل الطلعة أخذ يحدق بالماء في شرود مريح... كان شعره الرمادي يعكس دفقات الماء من أذرع النافورة الحزينة... و قبل أن أحاول تحليل أمنيته فاجأني بأن حلّ من أصبعه خاتمه ثم قبّله و القاه الى حورية الماء... نقل الأمنية بتنهيدة ثم مشى الهوينى مبتعداً...
حلّ الليل و مازلتُ مكاني أراقب الناس يلقون للنافورة حكايا و أمنيات... الأضواء الزرقاء المركّبة على الجانبين أعطت المنظر نفحة روحانية مهيبة... اقترب حبيبان متعانقان من صفحة التمنّي يتأمّلان انعتاق الماء و جلال انسكاب الضوء على عرابين الأمنيات... لامسا الماء و ربما همسا لبعضهما بأمنية... القيا في النافورة ضحكتين و ابتعدا...
خلتُ نفسي باقياً حتى طلوع الفجر و إذا بولد صغير في ثياب رثّة يظهر فجأة من قلب الهدوء... اقترب برويّة ثم خلع نعليه و قفز الى داخل النافورة... انتظر برهة ليتأكد من أن صوت مغامرته قد ذاب في موسيقى الليل و الماء ثم انحنى يلتقط قطعَ المعدن في نشاط و عجل...كان يجمع النقود في عُبّه غير عابئٍ بالبلل... حمَل غلّته الثمينة و تسلّق حافة النافورة و وطئ الأرض من جديد... أخذ يتأمل ما فعل بانفعال مكبوت و الماء يقطر من ساقيه...بحث عن حذائه لكنّه اصطدم بي...
تركتُ مكاني لأواجه لص النافورة..."لا تجزع!" قلت بهدوء... " كنتُ أراقبك... لا أعتقد أن مغامرتك هذه تستحق التعب... أرى أن تعيد النقود الى مكانها..." ثم مددت يدي الى محفظتي و تناولت ورقة نقد توازي عشرات ما يحمل وقلت مبتسماً: "إليك..."نظر الي كصديق قديم و ردّ بابتسامة واثقة دون أن يمد يده للمال بين أصابعي... " أنا أيضا كنت أراقبك... يا سارق الأمنيات... كيف يا ترى ستعيدها الى مكانها؟!..."حمل حذاءه و بللاً منتصِراً و مضى
تركني افتّشُ عن أمنيات
----------------------------
Another story by Dr. Nakhleh Abu Yaghi , hope you liked it
hareega

3 comments:

salam said...

Lovely.

Hareega said...

Thank you !

whisper said...

v nice one as usual :)